صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
مقدمة 22
الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )
وبطريقة خاصة ردّ قول القائلين بالنور والظلمة في أصل الوجود إلى تشكيك خاص . والذين درسوا مباني ملا صدرا جيدا يعلمون أن هذا السبك من البحث في الدورة الإسلامية هو سبك خاص ينفرد به هذا الرجل العظيم الشأن ، وهذا يبيّن أن ملا صدرا أستاذ ماهر في جميع المسالك الموجودة في الفلسفة . فمن يتطلع بعين بصيرة ووعي علمي كبير إلى حاشيته لكتاب « الشفاء » لرآه من أعظم الحكماء المحققين المشائيين ، كما أن حاشيته وتعليقاته على كتاب « حكمة الإشراق » توضح مهارته في هذا المجال ، ولو أن ملا صدرا كان قد انصرف في تحقيقه لقواعد الإشراق عن مناقشة مباني شيخ الإشراق ، أي لو أنه لم يكن بصدد الانتصار للشيخ الرئيس وأتباعه في بعض المباني وانصرف إلى تحكيم المباني فقط لاعتبره المراجعون لحواشي حكمة الإشراق حكيما متبحرا وصاحب رأي في حكمة الإشراق . كما أنه ليس هناك بعد الشيخ الطوسي بين الحكماء المسلمين من هو أفهم من ملا صدرا في أصول وعقائد المتكلمين وآراء أهل الكلام ، لأن الشيخ والفارابي وشيخ الإشراق وغيرهم من العظماء كانوا ينظرون إلى كلام وأقوال المتكلمين بعين الحقارة وقلّما كانوا يناقشونها أو يهتمون بها . فقبل ملا صدرا كانت هناك اختلافات في وجهات النظر بين العرفاء الساعين إلى الحقيقة والمحققين من أهل الفكر والرأي والمتخصصين في العلوم الحقيقية من عرفاء ومشايخ الصوفية وفلاسفة المشائية والإشراق ، وكل فريق كان يسعى إلى إثبات طريقته ونفي مسالك الآخرين . وقد كان ملا صدرا ماهرا ومتخصصا في بيان المسائل العلمية لكل فريق ، وبعد إدراكه الكامل لكل هذه المشارب لجأ إلى التحقيق وتبيين المعارف . فقد أثبت ببراهين متعددة كثيرا من قواعد المشائية « 1 » ، وردّ على إشكالات مخالفي هذه الطريقة ، وقوّم كثيرا من القواعد العقلية والكشفية « 2 » .
--> ( 1 ) من قبيل تركيب الجسم من الهيولى وصورة وهذا ما جادله حكماء الإشراق ، وكذلك إثبات الصورة النوعية التي أثبتها الشيخ وسائر أتباع المشائية ورفضها شيخ الإشراق والخواجة تبعه في هذه المسألة . سفر النفس ، « الأسفار » - طبعة ( 1282 ) ه . ق ، ص ( 24 ) ، والجواهر والإعراض ص ( 163 ) . ( 2 ) مثل القول بمثل الأفلاطونية التي طعنها الشيخ والفارابي والخواجة والمير داماد وسائر أتباع المشائية ، وكذلك جواز التشكيك في الحقيقة الواحدة التي حاول الشيخ وأتباعه وعلى مدى سنين طويلة نقضها والإشكال عليها ، أما ملا صدرا فقد أثبتها وفق قواعد أهل الرأي . أنظر « الأسفار » ، طبعة ( 1282 ) ه . ق ، فصل في اختلاف أنحاء التشكيك ، ص ( 104 ، 106 ) ، وأيضا بحث التشكيك ص ( 109 ، 110 ) ، ومباحث مثل الأفلاطونية ، « الأسفار » ( 1282 ) ه . ق ، ص 130 ، 131 ، 132 .